المنجي بوسنينة
34
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
العراقيّة ممتدحا ومؤيدا في قصائده الشعريّة ثورات وانتفاضات الشعب العراقي ولا سيما ثورة نيسان - مايس 1941 ضد الوجود الاستعماري البريطاني والمتعاونين معه ، وعلى أثر ذلك أقدمت السلطات العراقيّة على فصله من وظيفته للمرة الثالثة والأخيرة مما أثر كثيرا على وضعه ووضع أسرته المعيشيّة ، ومما زاد الطين بلة إصابته بمرض مزمن ( السل الرئوي ) الذي لازمه أواخر حياته ولم يمهله كثيرا ، حيث وافاه الأجل المحتوم في 19 شباط 1946 عن عمر لا يتجاوز اثنتين وأربعين سنة وهو في قمة نضوجه وعطائه الفكري والثقافي . يبرز لدى عبد العزيز الجادرجي الاتجاهان الوطني والقومي متكاملين في قصائده شأنه شأن شعراء عصره والجيل الذي سبقه ، فهو ينتقد أبناء البلاد لانشغالهم باللهو عن الأمور الجادة التي ترفع من شأن الوطن والأمّة ، مركزا على عزلة الحكام عن مطالب شعبهم : والقوم في سنة لا يسمعون ندا * كأنّما الشعب منهم بات معتزلا ويدعو الجادرجي إلى الوحدة الوطنيّة ، كما يدعو إلى الوحدة العربيّة وإلى التقدم والنهوض ، ويشيد بالقيم العربيّة الأصيلة وتراث الأمّة المجيدة محاولا استلهام معطيات الماضي مقترنا بروح العصر وبعث الحاضر والأخذ بأسباب العلم وبالإصلاح الديني والدنيوي : أبناء يعرب والتّآخي شأنكم * أنّ الحياة تناصر وإخاء ولتستعيدوا صرح مجد سالف * قد شيّدته جماجم ودماء ويترجح دعوة أقرانه من الشعراء في الدعوة إلى التماسك الاجتماعي وتبيان المزايا الدنيويّة والآخروية للعطاء وبين الاتجاه النقدي ، فهو يبالغ في مديح الكرم والكرماء على عادة شعراء الإحسان وإن كان ينفرد بين زملائه بذم بخلاء الأغنياء ذما يقربه - لولا ما أسلف من مديح - من الاتجاه النقدي ، وهو أحيانا أقرب إلى هذا الاتجاه الأخير ، حين ينتقد المحتكرين من منطلق الدين والإنسانيّة ويهاجم أساليبهم في نهب قوت الفقراء والمعدمين . ونجد في عدد من قصائد الجادرجي في الحب والغزل تعبيرا عن تجربة معاشة يحاور فيها صدقه الشعوري ، الصدق الفني - قدر الإمكان - ، ويرتفع الجادرجي أو يهبط في التعبير عن تجربة الحب ، لكنه يحاول شق طريق التحسس الشعري الجديد ، وبشيء من هذه التجارب يحاول التسامي والإقتراب من تجارب « العذريين » أو لربما من نفحات الرومانتيكية المبكرة ، ولعلّ للطبيعة المحافظة للمدينة أثرا في تأجيج عواطف المحبين بما تخلق من عوائق أمام علاقاتهم ، وهو يشكل بذلك حلقة وصل بين الكلاسيكيّة الجديدة « قول أشياء جديدة بقوالب قديمة أو شبه قديمة » وبين الرومانتيكية . آثاره - ترك الجادرجي العديد من القصائد الشعريّة التي نشرها في الصحافة والمجلات الموصلية طول العشرينات والثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي ، ولم تسعفه المنية وضعف الحال طبعها في ديوان شعري خاص .